ابن حمدون
325
التذكرة الحمدونية
وأحبّ أمير المؤمنين أن يشركوه في ثواب السّؤال والزّمنى ، وأن ينشلوهم من آفات الدنيا وممّا أعطاهم اللَّه عزّ وجلّ من الرزق ، وليكون ذلك تجارة لهم وممحّصا لذنوبهم . فقال الرومي : الحقّ ما قاله أمير المؤمنين . 637 - قال أبو إسحاق الصابئ : كنت يوما جالسا في دار المهلبي والقاضي أبو بكر بن قريعة على قرب مني يصلَّي . فلما فرغ من صلاته نهض وبسط يديه يدعو ، ورفعهما حتى كشف إبطيه ، ثم سجد سجدة طويلة وهو يشدّ بجبهته الأرض ويمحي وأنا أتأمله ، فلما فرغ من صلاته ودعائه قال لي : لم كنت تحدّ النظر إليّ وتوفّر فكرك عليّ وأنا أصلي ؟ أصبوت يا شيخ الصابئة إلى شريعة الملَّة الصافية ؟ فقلت : لا ، بعد ، ولكن كنت أعجب من القاضي وهو يرفع يديه حتى يعلو رأسه ثم يحطَّ جبهته الأرض حتى كأنّه يحفر بها ، فاستشعرت أنه بمثابة من يبتغي طلبته من موضعين متنافيين ، وكان عندي أني قد قطعته . فقال : وما ذاك يا شيخ الصابئة بعجيب ، وإنّ له من الصواب لأوفر نصيب . فقلت : وكيف ذاك ؟ فقال : لأنا نشير بأيدينا إلى مطالع رغبتنا رافعين ، قال اللَّه تعالى : * ( وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وما تُوعَدُونَ ) * ( الذاريات : 22 ) ، ونخفض جباهنا إلى مصارع أجسامنا خاضعين ، قال اللَّه وهو أصدق القائلين : * ( مِنْها خَلَقْناكُمْ وفِيها نُعِيدُكُمْ ومِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ) * ( طه : 55 ) فنحن نستنزل بالأولى لطيف الأرزاق ، ونستدفع بالأخرى عنيف الإرهاق ، واللَّه كريم . ودمعت عيناه فأبكاني ، وعظم في عيني . فدخلت على الوزير وأعدت عليه ذلك ، فعجب منه وقال : هو واحد زمانه . 638 - قال الوليد بن سريع مولى ابن حريث : وجّهني الجرّاح بن عبد اللَّه من العراق إلى سليمان بن عبد الملك ، فخفت أن يسألني عن المطر . فإني لأسير بالسماوة إذا بأعرابي من كلب اسمه شملة ، فقلت : يا أعرابيّ ، هل لك في درهمين ؟ قال : إني واللَّه حريص عليهما فما سببهما ؟ قلت : صف لي المطر . قال : أتعجز أن تقول أصابتنا سماء بمطر يعقد منه الثرى ، واستؤصل منه العرق ،